في لحظة إقليمية تتقاطع فيها العقوبات الاقتصادية مع إعادة تشكيل سلاسل التوريد، يقف لبنان أمام مفترق طرق نادر. التهديد الأميركي بفرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على الدول التي تستورد من إيران لا يُعدّ تفصيلاً تقنياً في التجارة الدولية، بل حدثاً قد يُعيد رسم خريطة التبادل الغذائي في الخليج. نظرياً، يفتح هذا التطوّر نافذة واسعة أمام دول بديلة، ولبنان من بينها، لملء الفراغ المحتمل في السوق. عملياً، يكشف هذا التهديد حجم الهوّة بين الإمكانات اللبنانية والقدرة الفعلية على استثمار الفرص.
الفجوة بالأرقام: عندما تتحوّل المقارنة إلى إدانة
تُظهر الأرقام وحدها عمق الاختلال. فالصادرات الإيرانية إلى دول الخليج تبلغ نحو 1,5 مليار دولار سنوياً، مقابل 247 مليون دولار فقط للبنان (نحو 6 أضعاف). وعند التركيز على المنتجات الغذائية تحديداً، تتضح الصورة أكثر: إيران تصدّر ما بين 400 و500 مليون دولار من الغذاء، في حين لا تتجاوز الصادرات الغذائية اللبنانية 28,8 مليون دولار (11,68% من إجمالي صادراته إلى الخليج). هنا، تقفز الفجوة إلى ما بين 14 و17 ضعفاً.
هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن ضعف تنافسي، بل عن مسار طويل من الإهمال. لبنان الذي لطالما ارتبط اسمه بجودة الغذاء وبتقاليد زراعية وصناعية عريقة، تراجع إلى هامش السوق، لا بسبب نقص السمعة أو الطلب، بل نتيجة غياب السياسات العامة والديبلوماسية والاستثمار طويل الأمد.
إيران في المقابل: كيف تنجح دولة معاقَبة؟
المفارقة أنّ إيران حققت هذا الحضور التصديري على رغم من العقوبات الدولية. القرب الجغرافي من الخليج، القدرات الإنتاجية الواسعة، والتركيز على منتجات محددة عالية الطلب، مثل الحيوانات الحية التي تشكّل 26,7% من صادراتها، والفواكه المجفّفة التي تمثل نحو 13,3%، كلّها عوامل أساسية. لكنّ العامل الحاسم يبقى الإرادة السياسية التي اعتبرت التصدير أولوية استراتيجية، ووفّرت له الدعم المؤسسي والمالي.
لبنان، نظرياً، يمتلك ميزات مختلفة: جودة أعلى في بعض المنتجات، تنوّع كبير، وجالية واسعة في دول الخليج. إلّا أنّ هذه الميزات بقيت غير مُفعّلة، وتحوّلت مع الوقت إلى سردية ثقافية أكثر منها رافعة اقتصادية.
إعلان الإدارة الأميركية هذا الشهر نيّتها فرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على أي دولة تستورد من إيران، أعاد خلط الأوراق. السيناريوهات المحتملة 3: امتثال خليجي كامل، بنسبة احتمال تتراوح بين 30 و40%، ما قد يُخفِّض الصادرات الإيرانية بنسبة 40 إلى 60%. امتثال جزئي، وهو الأرجح بنسبة 40 إلى 50%، مع انخفاض يتراوح بين 20 و30%. أو عدم امتثال فعلي، بنسبة احتمال 10 إلى 20%.
في السيناريو المتوسط، أي انخفاض الصادرات الإيرانية بنحو 40%، يختفي من السوق الخليجية ما يقارب 200 مليون دولار من المنتجات الغذائية. نظرياً، إذا استطاع لبنان الاستحواذ على نصف هذا الفراغ، سترتفع صادراته الغذائية من 28,8 مليون دولار إلى نحو 128,8 مليون دولار، أي زيادة تقارب 346%. هذه الأرقام تكشف حجم الفرصة، لكنّها في الوقت نفسه تفضح حجم العجز.
الاستثمار المطلوب: أرقام مغرية وواقع معطّل
تقدّر مصادر لـ«الجمهورية»، أنّ توسيع الطاقة الإنتاجية، تطوير المنتجات، وبناء بنية تحتية تصديرية فعالة، تتطلّب استثمارات تتراوح بين 500 و700 مليون دولار. في المقابل، يمكن أن تولّد هذه الاستثمارات عوائد سنوية بين 300 و500 مليون دولار خلال 3 إلى 5 سنوات، مع فترة استرجاع لا تتجاوز سنتَين أو 3، ومعدّل عائد يتراوح بين 40 و60% سنوياً.
اقتصادياً، تبدو المعادلة مثالية. سياسياً ومالياً، تبدو شبه مستحيلة. فلبنان لا يملك رأس المال، ولا نظاماً مصرفياً قادراً على التمويل، ولا دولة قادرة على ضمان الاستقرار. إلّا أنّ بوادر أمل لاحت في الأفق القريب، مع بدء 3 شركات صناعية غذائية، بحسب مصدر تحدّث لـ«الجمهورية»، مفضّلاً عدم الكشف عن هويّته، لمفاوضات مع مستثمرين عرب ولبنانيِّين، لزيادة القدرات الصناعية والتجارية لديها، على اعتبار أنّها فرصة ثمينة للحلول بدلاً من المنتجات الإيرانية في الخليج، وحتى إلى دخول السوق السورية، التي باتت في طَور الانفتاح، خصوصاً عبر المشروبات الكحولية، والتبغ والتنباك، والمعلّبات الغذائية والفواكه المجفّفة.
السياسة كعامل تعطيل
يقع لبنان في قلب الصراع الأميركي - الإيراني، لا على الهامش. وجود «حزب الله»، كحليف استراتيجي لطهران، يجعل أي محاولة للاستفادة من العقوبات على إيران محاطة بحساسيات داخلية وخارجية. في المقابل، تتردّد دول الخليج في ضخ استثمارات، في بلد تخشى أن تتحوّل عائداته إلى دعم غير مباشر لمحور خصم.
حتى لو تراجعت السياسة خطوة إلى الخلف، تبقى العوائق البنيوية كافية لإجهاض أي اندفاعة. الإجراءات الإدارية لتصدير منتج غذائي تمر عبر وزارات متعدّدة، وقد تستغرق أسابيع أو أشهراً، مقارنةً بأيام قليلة في دول مثل تركيا أو الأردن. البنية التحتية من كهرباء ومرافئ ونقل في حالة تدهور. التكنولوجيا المستخدمة في العديد من المصانع قديمة. والموارد البشرية تفتقر في كثير من الأحيان إلى التدريب وفق المعايير الدولية. على رغم من كل ذلك، لا يمكن تجاهل أنّ المنتجات اللبنانية لا تزال تتمتّع بسمعة قوية في الخليج، من زيت الزيتون إلى الأجبان والحلويات، بالإضافة إلى الفواكه والخضار.
السيناريو المتفائل يفترض امتثالاً خليجياً واسعاً وقدرة لبنانية سريعة على التوسع، ما قد يرفع الصادرات الغذائية إلى نحو 180 مليون دولار بحلول 2027. السيناريو المتوسط، وهو الأكثر واقعية، يتحدّث عن ارتفاع إلى نحو 70 مليون دولار. أمّا السيناريو المتشائم، فيُبقي الصادرات عند مستوياتها الحالية، أو حتى أقل، في ظل استمرار الانهيار.
الدرس الأعمق هنا ليس متعلقاً بإيران أو بالعقوبات، بل بنموذج اقتصادي لبناني، أثبت عجزه عن التحوّل من اقتصاد خدماتي هش إلى اقتصاد إنتاجي قادر على اقتناص التحوّلات الإقليمية. الفرص لا تنتظر الدول المتعثرة. وفي غياب تغيير جذري في الإدارة والسياسات، سيبقى لبنان يراقب من بعيد أسواقاً كان يمكن أن تكون له.